فخر الدين الرازي
162
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والجواب من وجوه : الأول : أنه صدر عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء من باب ترك الأفضل ، وهو المشار إليه بقوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] وأيضا لما اشتد الزمان في هذه الغزوة على المؤمنين على ما سيجيء شرحها ، فربما وقع في قلبهم نوع نفرة عن تلك السفرة ، وربما وقع في خاطر بعضهم أنا لسنا نقدر على الفرار . ولست أقول عزموا عليه ، بل أقول وساوس كانت تقع في قلوبهم ، فاللّه تعالى بين في آخر هذه السورة أنه بفضله عفا عنها . فقال : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ . والوجه الثاني : في الجواب أن الإنسان طول عمره لا ينفك عن زلات وهفوات ، إما من باب الصغائر ، وإما من باب ترك الأفضل . ثم إن النبي عليه السلام وسائر المؤمنون لما تحملوا مشاق هذا السفر ومتاعبه ، وصبروا على تلك الشدائد والمحن ، أخبر اللّه تعالى أن تحمل تلك الشدائد صار مكفرا لجميع الزلات التي صدرت عنهم في طول العمر ، وصار قائما مقام التوبة المقرونة بالإخلاص عن كلها . فلهذا السبب قال تعالى : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ الآية . والوجه الثالث : في الجواب : أن الزمان لما اشتد عليهم في ذلك السفر ، وكانت الوساوس تقع في قلوبهم ، فكلما وقعت وسوسة في قلب واحد منهم تاب إلى اللّه منها ، وتضرع إلى اللّه في إزالتها عن قلبه ، فلكثرة إقدامهم على التوبة بسبب خطرات تلك الوساوس ببالهم ، قال تعالى : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ الآية . والوجه الرابع : لا يبعد أن يكون قد صدر عن أولئك الأقوام أنواع من المعاصي ، إلا أنه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم لأجل أنهم تحملوا مشاق ذلك السفر ، ثم إنه تعالى ضم ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ذكرهم تنبيها على عظم مراتبهم في الدين . وأنهم قد بلغوا إلى الدرجة التي / لأجلها ، ضم الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم في قبول التوبة . المسألة الثانية : في المراد بساعة العسرة قولان : القول الأول : أنها مختصة بغزوة تبوك ، والمراد منها الزمان الذي صعب الأمر عليهم جدا في ذلك السفر والعسرة تعذر الأمر وصعوبته . قال جابر : حصلت عسرة الظهر وعسرة الماء وعسرة الزاد . أما عسرة الظهر : فقال الحسن : كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم ، وأما عسرة الزاد ، فربما مص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونهما حتى لا يبقى من التمر إلا النواة ، وكان معهم شيء من شعير مسوس ، فكان أحدهم إذا وضع اللقمة في فيه أخذ أنفه من نتن اللقمة . وأما عسرة الماء : فقال عمر : خرجنا في قيظ شديد وأصابنا فيه عطش شديد ، حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه . واعلم أن هذه الغزوة تسمى غزوة العسرة ، ومن خرج فيها فهو جيش العسرة ، وجهزهم عثمان وغيره من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم . والقول الثاني : قال أبو مسلم : يجوز أن يكون المراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول وعلى المؤمنين ، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها . وقد ذكر اللّه تعالى بعضها في كتابه كقوله